الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
474
المنقذ من التقليد
النبيّ عليه السلام فلا يخلو جميع ذلك من أحد أمرين . أحدهما أنّ جميع ذلك يتفق في النبيّ الأول كما اتفق في نبيّنا عليه السلام ولم يتفق ذلك ولكن المراد بلفظ الماضي في جميع ذلك الاستقبال . والأوّل باطل من وجهين : أحدهما : أن العادة مانعة من أن يتفق لنفسين من الوقائع والقصص والأصحاب والهجرة والأحكام والمحاورات أمور متساوية متماثلة متوازنة « 1 » ، وأن يكون في أصحاب كلّ واحد منهما مهاجرون وأنصار ومسلمون ومنافقون . والعلم بامتناع ذلك من حيث العادة ، كالعلم بامتناع توارد الشعراء في قصيدة واحدة ومعنى واحد وعروض واحد ، واتفاق الناس على زيّ واحد وطعام واحد ، إذ ليس أحدهما أبعد من الآخر . والوجه الثاني : أنّه لو اتفق للنبيّ الأول جميع ذلك فيما مضى لكان يجب أن يظهر وينتشر ، ولا يخفى حال من هو بهذه الأوصاف كلّها على من يأتي بعده ولا يشكل الأمر عليه فيه ، ولو ظهر لكان ذلك نقضا لما هو مبنى هذا السؤال . وهو أنّ أمر ذلك النبيّ الأوّل لم يظهر ولم ينتشر خبره . وبعد ، فلو ظهر لوجب أن يوافقه عليه أعداؤه ، فانّهم كانوا بذلك أعرف وإليه أسرع . والقسم الثاني ، وهو أن يكون المراد بلفظ الماضي في جميع ذلك المستقبل ، أيضا باطل من وجهين . أحدهما : أنّ لفظ الماضي إذا أريد به المستقبل كان مجازا . وثانيهما : أنّ جميع ما ذكرناه وتلوناه من الآيات دلالة على تعظيم من ظهرت على يده وتصديق دعوته ونبوّته . ألا ترى أنّه تعالى وبّخ المولّين عنه يوم أحد وحنين ، وشهد له بالرسالة بقوله : « وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ » « 2 » ، وقوله :
--> ( 1 ) م : متوافقة . ( 2 ) آل عمران : 153 .